سيميائية الأهواء عند غريماس هي تطوير لسيمياء الفعل نحو دراسة الانفعالات والميول الإنسانية كما تتجلى في الخطاب، لا بوصفها حالة نفسية داخلية فقط، بل كبُنى دلالية يمكن نمذجتها وتحليلها منهجيًا.asjp.cerist+1
أولا: ما المقصود بسيميائية الأهواء؟
· تُعرَّف سيميائية الأهواء بأنها فرع من السيميائيات يدرس الانفعالات والأهواء (الحب، الغيرة، البخل، الخوف…) كما تُبنى وتُعرض في النصوص والخطابات المختلفة، الأدبية وغير الأدبية.psychologyandeducation+1
· تنطلق من مسلّمة أن الانفعالات ليست “داخلية” فحسب، بل لها وجود سيميائي يمكن تتبّعه عبر اللغة، والملفوظات، وحركات الجسد، واختيارات الخطاب، أي أنها خصائص دلالية كامنة تظهر في التمثيل النصي.repository.univ-msila+1
· هي امتداد لسيمياء العمل عند غريماس؛ إذ تدرس “انفعالات الذات وهي تعمل”، أي أن الهوى مرتبط بالبرامج السردية والأفعال والعلاقات بين الفواعل في النص لا منفصل عنها.journals.ajsrp+1
مثال مبسّط: الغيرة في رواية ليست شعورًا نفسيا فقط، بل تُرى في أفعال الشخصية (تجسس، اتهام، صمت حاد)، وفي خطابها (ألفاظ الشك، نبرة الاتهام)، وفي علاقاتها بالفعل مع الآخرين؛ هنا يتدخل الناقد السيميائي ليبني بنية هذا الهوى وخطاطته.
ثانيا: موقع غريماس ومدرسة باريس
· يُعد أ.ج. غريماس من أعمدة مدرسة باريس السيميائية؛ بدأ مشروعه بسيمياء السرد والعمل (الأنموذج العاملي، المربع السيميائي، البرنامج السردي)، ثم انتقل في التسعينيات إلى سيميائية الأهواء رفقة فونتاني.asjp.cerist+1
· جاء هذا الانتقال نتيجة تطور إبستمولوجي في السيميائيات؛ إذ بدا أن سيمياء الفعل وحدها لا تكفي لالتقاط بعد الانفعال والذاتية، فكان لا بد من توسيع النموذج ليشمل البُعد “الباتيمي” (الانفعالي).posthumanism+1
· اختار غريماس وفونتاني نماذج تطبيقية من قبيل البخل والغيرة؛ لأنهما أهواء ذات حضور قوي في التراث الفلسفي والأدبي، وتسمح ببناء نماذج دلالية دقيقة يمكن تعميمها على أهواء أخرى.scribd+1
ثالثا: الخطاطة العامة لسيميائية الأهواء (بشكل تطبيقي)
يمكن تقديم درس تطبيقي مبسّط في خطوات عملية يستفيد منها الطالب في تحليل نص أدبي (قصة قصيرة، مقطع روائي، قصيدة):
1. تحديد الهوى أو الانفعال المستهدف
o نختار هوى واضح الحضور في النص: حب، غيرة، حقد، خوف، بخل…
o نبحث عن كل المواضع التي يظهر فيها هذا الهوى تصريحًا أو تلميحًا (ألفاظ، استعارات، أفعال الشخصيات، أوضاعها).asjp.cerist+1
2. جمع “مادة الاستهواء”
o غريماس يميز بين “الاستهواء” بوصفه المادة الخام التي تتشكل منها الأهواء، أي رصيد من الانفعالات الأولية القابلة للصياغة خطابيا.dspace.univ-guelma+1
o في التطبيق: ننشئ قائمة بكل العلامات اللغوية والسردية المتعلقة بالهوى (أفعال، أوصاف، حالات، ردود فعل جسدية، صيغ إنشائية…).
3. إعادة بناء التهيئة المعجمية–الدلالية للهوى
o وفق ما يقترحه غريماس وفونتاني، نعيد بناء “التهيئة المعجمية–الدلالية” للهوى: أي شبكة الألفاظ والصفات والأفعال المرتبطة به في النص.psychologyandeducation+1
o مثلا في هوى “البخل”: تتكرر ألفاظ من قبيل الإمساك، الخوف من الفقد، الحساب الدقيق، التردد، الحرص المفرط…
4. بناء نموذج الهوى
o بعد جمع المادة، نرسم خطاطة مبسطة لمسار الهوى:
§ وضعية بدئية (حالة الذات قبل الهوى).
§ محفِّز أو سبب (حدث أو فاعل يطلق الشرارة الانفعالية).
§ تحولات انفعالية تدريجية (ازدياد الشك، تراكم الخوف، تصاعد الغضب…).
§ ذروة الانفعال (أقصى درجات الهوى).
§ مآل الهوى (هدوء، انفجار، تدمير علاقة، توبة…).journals.ajsrp+1
o هذه الخطاطة قريبة من البرنامج السردي، لكنها متمركزة على حالات الذات الانفعالية لا على إنجاز الأفعال وحدها.
5. ربط الهوى بالأنموذج العاملي
o تُسند الأهواء إلى فواعل: ذات عاشقة، ذات غيورة، ذات بخيلة، وموضوع رغبة، ومرسل، ومرسل إليه، وخصم، ووسيط… كما في نموذج غريماس العاملي.jalhss+1
o بعض الدراسات تقترح إضافة “الوسيط” ضمن العوامل، مستفيدة من رينيه جيرار، لأن الرغبات غالبا “محاكية” تمر عبر طرف ثالث يشعل الهوى أو يغذيه.[jalhss]
6. تحليل تمفصلات الخطاب
o ننتقل إلى مستوى الخطاب:
§ كيف يوزَّع الهوى عبر الأزمنة (ماضٍ، حاضر، مستقبل)؟
§ كيف يتجسد في الأصوات السردية (سارد عليم، ضمير المتكلم، مونولوج داخلي)؟
§ كيف تُستخدم الاستعارة والكناية والصور لتكثيف الانفعال؟diwanalarab+1
بهذه الخطوات يصبح الدرس السيميائي درسًا عمليًا: نقرأ نصًا، نختار هوى، نبني خطاطته الانفعالية، ونربطه بالبرنامج السردي وبالأنموذج العاملي.
رابعا: أهم المفاهيم الإجرائية في سيميائية الأهواء
في درس تطبيقي، يستحسن التركيز على مجموعة أدوات أساسية:
· الذات والانفعال: الذات ليست فقط فاعلًا يقوم بعمل، بل “ذات منفعلة” تتغير كيفياتها الانفعالية (راضية، ساخط، خائف، مطمئن…).journals.ajsrp+1
· الكيفيات الانفعالية الأولية: حالات بسيطة (سرور، حزن، خوف، أمل) تشكل المادة الأولية للأهواء المركبة.repository.univ-msila+1
· الاستهواء: المادة الخام التي تتشكل منها الأهواء، بوصفها إمكانات انفعالية قابلة للتشكيل داخل الخطاب.dspace.univ-guelma+1
· الخطاطة الاستهوائية: مسار يبين انتقال الذات من حالة إلى أخرى تحت تأثير الهوى (من لا مبالاة إلى رغبة، ثم إلى تعلق، ثم إلى هوس، مثلا).jalhss+1
· الامتداد الزمني للهوى: الأهواء ليست لحظية؛ بل تمتد زمنيا وتتدرج، ويمكن تتبع درجاتها في السرد (بذرة – نمو – ذروة – انحسار).scribd+1
أهم النتائج والأفكار
· الانفعالات ليست “فوضوية” أو خاصة بالعلم النفسي وحده؛ بل يمكن ضبطها في صيغ دلالية، ومربعات سيميائية، وأنماط معجمية، ومسارات زمنية.repository.univ-msila+1
· الهوى يتبدى كمحصلة تفاعل بين الذات وموضوع رغبتها، وبين قوى جذب ودفع، ووفق علاقات قيمية (خير/شر، امتلاك/حرمان، قرب/بعد) يمكن تمثيلها في المربع السيميائي.posthumanism+1
· يعيد الكتاب قراءة تراث طويل عن الأهواء (في الفلسفة والأدب) في ضوء السيميائيات، فيدمج بين العمق الفلسفي والأداة اللسانية–السردية الحديثة.diwanalarab+1
بهذا يمكنك بناء درس جامعي من قسمين:
· قسم نظري (تعريف، موقعها من سيمياء العمل، مفاهيم أساسية، بنية الكتاب).
· قسم تطبيقي (تحليل هوى معين في نص عربي، باستعمال الخطاطة الاستهوائية والأنموذج العاملي).
في مساءٍ بارد، دخلت ليلى المقهى الذي تركت فيه قلبها منذ عام.
رأت عمر جالسًا في الركن المعتاد، وبجانبه أكواب كتب وأوراق مبعثرة.
حين لمحها، ارتبك، ونهض نصف نهضة، كأن حبًا قديمًا استيقظ فجأة بين الخجل والحنين.
في الزاوية الأخرى، كانت سلمى تراقب المشهد بصمت.
أحبت عمر طويلًا، وخافت دائمًا من تلك “العودة المفاجئة” التي تعيد الماضي إلى مقعده الأول في القلب.
حين رأته يبتسم لليلى تلك الابتسامة التي لم ترَها معه من قبل، شعرت غيرة حادة تخنق حلقها، كأن أحدًا يسحب منها حقًا لم يُكتب باسمها أبدًا.
جلست ليلى أمام عمر، تحدّثا جملًا قصيرة متقطعة، بينهما خوف قديم من الاعتراف.
قالت بهدوء:
– ربما تأخرتُ كثيرًا يا عمر.
ردّ وهو ينظر إلى الطاولة لا إلى عينيها:
– وربما أنا خفتُ أن أبقى أسيرًا لشيء رحل.
رفعت سلمى حقيبتها وغادرت المقهى بخطوات ثابتة، تخفي ارتجاف قلبها.
رآها عمر تمر قرب الباب، فشعر أن خوفه لم يكن من ليلى فقط، بل من أن يخسر من أحبّته في صمت.
تفرّق الثلاثة في ليل المدينة:
واحد يودّع حبًا قديمًا،
وواحدة تتخلّص من غيرة موجعة لتحفظ كرامتها،
وثالث يتعلّم ببطء أن الحب لا يكتمل ما دام الخوف جالسًا إلى جواره.
في هذا النص القصير تظهر ثلاثة أهواء رئيسة: الحب، الغيرة، الخوف، وسأطبق عليها سيميائية الأهواء باستخراجها مع الأفعال/التعابير الدالة عليها.
1. هوى الحب
أ) عند عمر وليلى
- “المقهى الذي تركت فيه قلبها منذ عام”
- الهوى: حب قديم مستمر.
- الدالّ: “تركت فيه قلبها” (إسناد القلب للمكان = تعلّق عاطفي قوي).
- “رأت عمر جالسًا في الركن المعتاد”
- الهوى: حنين إلى محبوب.
- الدالّ: البحث البصري عنه، مضافًا إلى “الركن المعتاد” (استمرارية علاقة سابقة).
- “كأن حبًا قديمًا استيقظ فجأة بين الخجل والحنين”
- الهوى: عودة الحب إلى الفعل.
- الدالّ الصريح: “حبًا قديمًا استيقظ” (تشخيص الحب كشيء ينام ثم يستيقظ).
ب) أفعال دالة على الحب/التعلّق
- “تركَت فيه قلبها”
- “استيقظ فجأة” (عودة الانفعال للحياة)
- “الركن المعتاد” (ثبات مكان اللقاء، دال على علاقة مستقرة سابقة)
- “ابتسامة” عمر (مذكورة ضمنيًا في “يبتسم لليلى تلك الابتسامة” في النسخة السابقة، ويمكن استحضارها ضمن السياق هنا كدالّ حميم).
في الخطاطة السيميائية للهوى:
- وضعية بدئية: حب قديم – فراق – غياب عام.
- محفز: دخول ليلى المقهى.
- تحول: “استيقاظ” الحب في قلب عمر واهتزاز ليلى عند رؤيته.
2. هوى الغيرة
عند سلمى
- “كانت سلمى تراقب المشهد بصمت”
- الهوى: بداية الغيرة (المراقبة من بعيد).
- الدالّ: فعل “تراقب” يدل على اهتمام مضمر ومقارنةٍ خفية بينها وبين ليلى.
- “أحبت عمر طويلًا، وخافت دائمًا من تلك ‘العودة المفاجئة’”
- الهوى: غيرة استباقية (توقّع منافسة عاطفية).
- الدالّ: “خافت من العودة المفاجئة”؛ الخوف هنا مرتبط بوجود منافِسة سابقة.
- “حين رأته يبتسم لليلى تلك الابتسامة التي لم ترَها معه من قبل، شعرت غيرة حادة تخنق حلقها”
- الهوى: غيرة صريحة، مؤلمة.
- الدوالّ:
- “لم ترَها معه من قبل” (مقارنة، إحساس بالحرمان من نوع من الحميمية).
- “شعرت غيرة حادة تخنق حلقها” (تصريح مباشر بالهوى + استعارة الخنق كدالّ جسدي للانفعال).
أفعال/تعابير دالة على الغيرة
- “تراقب المشهد بصمت”
- “خافت من تلك العودة المفاجئة” (خوف مشحون بالغيرة)
- “رأته يبتسم لليلى تلك الابتسامة…” (موقف بصري يُشعل المقارنة)
- “شعرت غيرة حادة تخنق حلقها”
في الخطاطة الاستهوائية للغيرة عند سلمى:
- وضعية بدئية: حب صامت، حضور يومي بجواره.
- محفز: دخول ليلى، ابتسامة عمر الخاصة لها.
- ذروة الهوى: “غيرة حادة تخنق حلقها”.
- مآل أولي: قرار الانسحاب (القيام والمغادرة).
3. هوى الخوف
أ) خوف ليلى
- “دخلت ليلى المقهى الذي تركت فيه قلبها منذ عام”
- خلفية خوف: العودة إلى مكان الجرح الأول.
- “جلست ليلى أمام عمر، تحدّثا جملًا قصيرة متقطعة، بينهما خوف قديم من الاعتراف.”
- الهوى: خوف من الاعتراف بالحب ومن إعادة فتح الجرح.
- الدوالّ:
- “جملًا قصيرة متقطعة” (تقطّع الكلام كأثر انفعالي).
- “خوف قديم من الاعتراف” (تصريح مباشر).
ب) خوف سلمى
- “أحبت عمر طويلًا، وخافت دائمًا من تلك ‘العودة المفاجئة’”
- الهوى: خوف من فقدان مكانتها في قلبه بسبب الماضي.
- الدالّ: صيغة الاستمرار “خافت دائمًا” + “العودة المفاجئة” كتهديد محتمل.
ج) خوف عمر
- “فشعر أن خوفه لم يكن من ليلى فقط، بل من أن يخسر من أحبّته في صمت.”
- الهوى: خوف مركّب (من الماضي ومن خسارة الحاضر).
- الدالّ: “يخسر من أحبّته في صمت” (هاجس الفقد).
أفعال/تعابير دالة على الخوف
- “خافت دائمًا من تلك ‘العودة المفاجئة’”
- “بينهما خوف قديم من الاعتراف”
- “فشعر أن خوفه لم يكن من ليلى فقط…”
في الخطاطة الانفعالية للخوف:
- وضعية بدئية: علاقة غير محسومة (حب صامت عند سلمى، حب مؤجّل عند ليلى وعمر).
- محفز: اللقاء المفاجئ، تبادل النظرات والابتسامة.
- مآل:
- ليلى: خوف يقود إلى الاعتراف المختصر (“ربما تأخرتُ كثيرًا…”).
- سلمى: خوف يقود إلى الانسحاب للحفاظ على كرامتها.
- عمر: خوف يدفعه إلى إدراك أنه لا بد من حسم التردد بين الماضي والحاضر.
بهذا التطبيق:
- الهوى = حالة دلالية للذات (محبة، غيورة، خائفة).
- الأفعال والتعابير = العلامات السيميائية التي تمكّننا من إعادة بناء مسار الهوى (من بذرة الشعور، إلى تصاعده، ثم مآله في فعل أو قرار).
لو أحببت، يمكنني في خطوة تالية أن أحوّل هذا التحليل إلى جدول/خطاطة جاهزة للاستعمال في درس سيميائية الأهواء مع الطلبة
· في مسار ليلى نرسم خطاطة استهوائية بسيطة من أربع درجات، مع اللحظات النصّية الموافقة لكل درجة كما تقترح الدراسات التي تربط الخطاطة الاستهوائية بالخطاطة السردية.asjp.cerist+1
· سأقدّمها في شكل جدول/خطاطة خطّية يمكن استعمالها مباشرة في درس.
· خطاطة مسار انفعال ليلى (الحب + الخوف)
|
المرحلة الاستهوائية |
درجة الانفعال عند ليلى |
اللحظة النصّية الممثِّلة |
الشرح المختصر |
|
1. وضعية بدئية (حب كامن + حذر) |
حب قديم مستمر مع حذر داخلي |
«دخلت ليلى المقهى الذي تركت فيه قلبها منذ عام.» |
يدلّ على تعلّق سابق (تركت قلبها) مع مسافة زمنية وسياق عودة مترددة. |
|
2. لحظة المحفِّز (الاستيقاظ الانفعالي) |
عودة الحب إلى السطح، اهتزاز وجدانها |
«رأت عمر جالسًا في الركن المعتاد… حين لمحها، ارتبك… كأن حبًا قديمًا استيقظ فجأة بين الخجل والحنين.» |
رؤية عمر في المكان القديم + التشبيه «استيقظ حب قديم» = نقطة اشتعال المسار الانفعالي. |
|
3. منطقة التوتر (حب ممتزج بالخوف) |
تردّد، خوف من الاعتراف وإعادة الجرح |
«جلست ليلى أمام عمر، تحدّثا جملًا قصيرة متقطعة، بينهما خوف قديم من الاعتراف.» |
تقطّع الكلام علامة توتّر باتيمي، وذكر «الخوف القديم» يبيّن وصول الانفعال إلى ذروته بين رغبة وامتناع.jalhss+1 |
|
4. مآل الهوى (اعتراف ناقص / تسليم) |
اعتراف متردّد، ميل إلى التسليم للماضي |
«قالت بهدوء: – ربما تأخرتُ كثيرًا يا عمر.» |
الجملة اعتراف ضمني بأن الحب قائم لكن الزمن والظروف غيّرت موقعها، فينخفض التوتر إلى حالة قبولٍ حزين. |
· يمكنك تحويل هذه الخطاطة إلى محور أفقي في عرض بصري:
(حب كامن) ← (استيقاظ الحب عند اللقاء) ← (توتر خوف/اعتراف) ← (اعتراف متأخر = تسليم للماضي)
- معلم: BOUROUISSA Zina
المقدمة
تُعد السيميولوجيا (أو علم العلامات) من العلوم الإنسانية الحديثة التي تهتم بدراسة أنظمة العلامات والإشارات ودورها في إنتاج المعنى داخل المجتمعات البشرية. نشأ هذا العلم في مطلع القرن العشرين، وارتبط تطوره بأسماء بارزة مثل فردينان دي سوسير، وتشارلز ساندرس بيرس، ورولان بارت، الذين أسهموا في وضع أسسه النظرية والمنهجية، ووسّعوا نطاق تطبيقاته ليشمل مجالات اللغة، والفنون، والثقافة، والإعلام. يهدف هذا البحث إلى تقديم تعريف دقيق للسيميولوجيا، واستعراض إسهامات أهم روادها.
أولاً: تعريف السيميولوجيا
1. الجذور اللغوية والمفهومية
كلمة "سيميولوجيا" مشتقة من الأصل اليوناني "سيميون" وتعني العلامة أو الإشارة، و"لوجوس" وتعني العلم أو الخطاب، ليصبح معناها "علم العلامات، و قد" عرّفها فردينان دي سوسير بأنها "العلم الذي يدرس حياة العلامات داخل المجتمع"، أي أنها تهتم بكيفية إنتاج وتداول العلامات والدلالات في الحياة الاجتماعية. أما في الطب، فتشير السيميولوجيا إلى علم الأعراض الذي يعتمد على العلامات والقرائن للكشف عن الأمراض.
2. مجالات السيميولوجيا
تتجاوز السيميولوجيا حدود اللغة لتشمل جميع أنظمة العلامات: اللغوية، والبصرية، والسمعية، والرمزية، سواء كانت طبيعية (مثل أصوات الحيوانات) أو اصطناعية (مثل إشارات المرور)56. فهي تدرس كيف يبتكر الإنسان العلامات ويمنحها دلالات ضمن سياقات ثقافية واجتماعية متنوعة.
3. الوظيفة الاجتماعية والفلسفية
يرى دي سوسير أن السيميولوجيا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم النفس الاجتماعي، حيث تدرس العلامات بوصفها ظواهر اجتماعية لها وظيفة في التواصل وتبادل المعاني34. أما بيرس، فقد منحها طابعاً فلسفياً ومنطقياً أوسع، معتبراً إياها علماً عاماً يدرس كل أشكال الدلالة في الكون789.
و يمكن تلخيص الوظائف المذكورة في المخطط الآتي:
ثانياً: أهم رواد السيميولوجيا
1. فردينان دي سوسير[1] (Ferdinand de Saussure)
أ. إسهاماته النظرية
يُعد دي سوسير (1857-1913) المؤسس الأول للسيميولوجيا الحديثة. في محاضراته التي جُمعت بعد وفاته تحت عنوان "محاضرات في علم اللغة العام"، طرح فكرة أن اللغة ليست سوى نظام من العلامات ضمن أنظمة دلالية أوسع، واقترح إنشاء علم جديد سماه "السيميولوجيا" لدراسة حياة العلامات في المجتمع.
ب. مفهوم العلامة عند دي سوسير
عرّف دي سوسير العلامة اللغوية بأنها وحدة ثنائية تتكوّن من "الدال" (الصورة السمعية أو الشكل) و"المدلول" (المفهوم الذهني)، وأكّد على اعتباطية العلاقة بينهما . رفض التصور التقليدي بأن العلامة تجمع بين اسم وشيء، واعتبرها علاقة بين تصور ذهني وصورة صوتية[2]، أي كيان ذو وجهين.
ج. أثره في تطور السيميولوجيا
أسّس دي سوسير لمفاهيم محورية مثل: الدال والمدلول، اللغة والكلام، والمحورين الرأسي والأفقي في التحليل اللغوي، مما جعله مرجعاً أساسياً في الدراسات السيميولوجية واللسانية.
يمثل فرديناند دي سوسير أحد الأسماء المؤثرة في ظهور وتطور علم السيميولوجيا، إذ كان له الفضل الكبير في وضع أسس هذا العلم ضمن إطار الدراسة اللغوية والسوسيولوجية الحديثة. [3]
أسس دي سوسير للسيميولوجيا:
[1] . فردينان دي سوسور ( 1847- 1913)م من أشهر علماء اللغة في العصر الحديث، واتجه بفكره نحو دراسة اللغات دراسة وصفية باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية، وكانت اللغات تدرس دراسة تاريخية، وكان السبب في هذا التحول في دراسة اللغة هو اكتشاف اللغة السنسكريتية.
[2] . بن كراد، محمد: السيميولوجيا: المفهوم والمصطلح والمنهج، الجزائر، منشورات الاختلاف، 2012.
[3] . بلعباس، إسماعيل: سيميولوجيا دي سوسير بين النص والمفهوم، مجلة Aleph ، 2022.aleph.edinum.
- معلم: BOUROUISSA Zina