
رسالة المرادي
في الجمل التي لها محل والتي ليس لها محل
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العلامة بدر الدين ابن أم قاسم رحمه الله تعالى:
سألت - وفقك الله - عن بيان [الجمل] التي يكون لها محل من الإعراب، لأن الجملة أصلها أن تكون مستقلة لا تتقدر بمفرد ولا تقع موقعه، وما كان من الجمل له محل من الإعراب فإنما ذلك لوقوعه موقع المفرد، وسده مسده، فتصير الجمل الواقعة موقع المفرد جزءاً لما قبلها، فيحكم على موضعها بما يستحقه المفرد الواقع في ذلك الموضع. مثال ذلك أنك إذا قلت: زيد أبو قائم، فـ(أبوه قائم) جملة وقعت خبراً للمبتدأ، وأصل خبر المبتدأ أن يكون مفرداً، فالجملة المذكورة واقعة موقع المفرد، فيحكم على موضعها بالرفع كما يحكم على لفظ المفرد لو حل محلها.
إذا فهمت هذا فنقول: كل جملة يسد المفرد مسدها فلها موضع من الإعراب، وكل جملة لا يسد المفرد مسدها فلا موضع لها من الإعراب، وها أنا أذكرها مفصلة إن شاء الله تعالى:
فالجمل التي لها محل من الإعراب سبع: الخبرية والحالية، والمحكية بالقول، والمضاف إليها، والمعلق عنها العامل، والتابعة لما هو معرب أوله محل من الإعراب، والواقعة جواب ذات الشرط مصدرة بالفاء أو بـ (( إذا )) . وقد جمعت في هذين البيتين:
خبرية حالية محكية 000 بالقول ذات إضافة وتعلق
وجواب ذي جزم بفاء أو إذا 000 ولتابع حكم المقدم أطلق
وجمعت أيضاً في هذه الأبيات:
جمل أتت ولها محل معرب 000سبع، لأن حلت محل المفرد
خبرية حالية محكية 000وكذا المضاف لها بغير تردد
ومعلق عنها وتابعة لما 000هو معرب أو ذي محل فاعدد
وجواب شرط جازم بالفاء أو 000بــــ (( إذا )) وبعض قال غير مفيد
أما الخبرية فيحكم على موضعها بما يستحقه الخبر الذي سدت مسده، فتكون تارةفي موضع رفع، كالجملة الواقعة خبر المبتدأ أو خبر (( إن )) وأخواتها، وخبر (( لا )) التي لنفي الجنس. وتكون تارة في موضع نصب، كالجملة الواقعة خبر (( كان )) وأخواتها، وخبر (( ما )) الحجازية وأخواتها. ويندرج في قولنا (الخبرية) الجمل الواقعة مفعولاً ثانياً لظننت وأخواتها وثالثاً لا علمت وأخواتها، لأنها كانت خبراً للمبتدأ قبل دخول الناسخ والتمثيل سهل فلا نطول به.
وأما الحالية فلا تكون إلا في موضع نصب على اختلاف أنواعها، لأن الحال منصوبة دائماً، مثال ذلك: جاء زيد ويده على رأسه، وكذا ما أشبه ذلك من الجمل الواقعة بعد معرفة. وأما الجملة الواقعة بعد نكرة فهي صفة لها. وفي الجملة الواقعة بعد المعرف بـ (( أل )) الجنسية وجهان، كقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ففي (نسلخ) وجهان: أحدهما أن تكون صفة نظراً إلى المعنى إذ لم يرد ليل معين. والثاني أن تكون حالاً نظراً إلى اللفظ لأنه معرفة بـ (( أل )) وهو الأظهر. ونظير الآية في احتمال الوجهين قول الشاعر:
ولقد أمر علي اللئيم يسبني
وإذا وقعت الجملة بعد النكرة وتصدرت بواو الحال فهي جملة حالية وليست بصفة، كقوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} وسوغ ذلك تقدم النفي. وزعم الزمخشري أن الجملة صفة، واعتذر عن دخول الواو . ورده ابن مالك وليس هذا موضع بسط الكلام على ذلك.
واختلف النحاة في الجمل المصدرة بمذ ومنذ فذهب السيرافي(إلى) أنها في موضع نصب على الحال، وذهب الجمهور إلى أنها لا موضع لها من الإعراب.
واختلفوا أيضاً في الجملة الواقعة في الإستثناء بالفعل، فقيل لا موضع لها. وقيل: في موضع نصب على الحال.
وأما الجمل المحكية بالقول فلها حالان:
أحدهما - أن يكون القول المحكي به غير موضوع للمفعول فحينئذ يكون محله نصباً بإتفاق، نحو: قل الحمدلله. وقد يحذف بعض الجملة بالقول ويبقى بعضها كقوله تعالى: {قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ}، وكقوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}.
والثاني - أن يكون موضوعاً للمفعول، نحو: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا}. فهذا فيه خلاف، ذهب بعضهم إلى أن مرفوع (قيل) مميز تفسيره الجملة بعده وهي (آمنوا) فلا موضع لها من الإعراب، والتقدير: وإذا قيل لهم هو، أي قول هو آمنوا. وكذلك بقدر في نظائر هذه الآية، وهذا من باب (فعل) نظير قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآْيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ}. في باب (فعل) . قيل: وهذا مذهب البصريين. وذهب الكوفيون إلى أن الجملة في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، فهي على هذا في موضع رفع، وقيل: القائم مقام الفاعل (لهم) . ورد بأن الكلام لا يتم به والجملة على هذا في موضع نصب، وزعم الزمخشري أن الجملة قائمة مقام الفاعل. وقرره بأن الإسناد إلى لفظه، كأنه قيل: وإذا قيل لهم هذا اللفظ، قال: وهذا الكلام نحو قولك: ألف ضرب من ثلاثة أحرف، ومنه: زعموا مطية الكذب. وهذا قول حسن.
وأما المضاف إليها فهي في موضع جر، لأن إعراب المضاف إليه هو الجر، وذلك قسمان: قسم متفق عليه وقسم مختلف فيه:
فالمتفق عليه أنها في موضع جر الجملة المضاف إليها أسماء الزمان غير الشرطية. وأما (( إذا )) ففي الجملة بعدها خلاف، ذهب الأكثرون إلى أنها في موضع جر بإضافة (( إذا )) وذهب قوم إلى أنها لا محل لها، وهو خلاف مشهور.
والمختلف فيه الجملة الواقعة بعد (( إذا )) كما سبق، وبعد (آية) بمعنى علامة، كقوله: بآية يقدمون الخيل شعثا...
فمحل الجملة جر بإضافة (آية) إليها، وهو مطرد عند سيبويه. وذهب أبو الفتح إلى أن ذلك على تقدير (( ما )) المصدرية، وليست إضافة للجملة، كما جاز في قوله:
بآية ما يحبون الطعاما ....
فعلى هذا لا محل للجملة بعدها، لأنها صلة (( ما )) المقدرة.
ومن المختلف فيه الجملة الواقعة بعد (( ذي )) في قوله: (اذهب بذي تسلم) . ذهب الجمهور إلى أنها بمعنى (صاحب) وأن الجملة في موضع جر بالإضافة، والمعنى: اذهب في وقت ذي سلامة. وذهب بعضهم إلى أن (ذو) موصولة على لغة طيئ، وأعربت على لغة بعضهم، و(تسلم) صلة لـ(ذي)، والمعنى: اذهب في الوقت الذي تسلم فيه، فلا محل للجملة على هذا، وهو مذهب ابن الطراوة. ومن المختلف فيه الجملة الواقعة بعد (( لما )) التي هي حرف وجوب لوجوب. فذهب سيبويه [إلى] أنها لا محل لها من الإعراب، لأن (( لما )) عنده حرف. وذهب الفارسي إلى أنها في موضع جر بالإضافة، لأن (( لما )) عنده ظرف، بمعنى (( حين )).
وأما الجملة التي علق عنها العامل فهي في موضع نصب. ولا يكون التعليق إلا في الأفعال القلبية وما ألحق بها. والجملة بعد المعلق في موضع نصب بإسقاط حرف الجر إن تعدى به، نحو: فكرت أصحيح هذا أم لا؟ ومنه: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}. وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد، نحو: عرفت أيهم عندك، ومنه: (أما ترى أي برق ههنا) وسادة مسد مفعوليه إن تعدى إلى اثنين، نحو: علمت أزيد عندك أم عمروا؟ ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} ، وبدل من المتوسط بينه وبينها إن تعدى إلى واحد بعدما أخذ مفعوله، نحو: عرفت زيداً أبو من هو؟ فالجملة بدل زيد، وهي بدل شيئ من شيئ، أي عرفت قصة زيد أبو من هو. وقيل: بدل اشتمال. وذهب بعضهم إلى أن هذه الجملة في موضع نصب على الحال، وهو مذهب المبرد والأول للسيرافي واختاره ابن عصفور .
وأما الجملة التابعة فحكمها حكم المتبوع، إن كان معرب اللفظ والمحل فلها محل من الإعراب، وإلا فلا محل لها، وهي أقسام:
منها الوصفية، وهي الجملة التي لها محل الإعراب، وإنما أعربت لأنها لا يوصف بها إلا ما هو معرب أوله محل من الإعراب. وتكون في موضع رفع ونصب وجر بحسب المنعوت. مثالها في موضع رفع {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ} فـ (( أنزلناه )) جملة في موضع رفع، لأنها صفة (كتاب) ، لأن الجمل بعد النكرة صفة كما سبق. ومثالها في موضع نصب رأيت رجلاً أبوه عالم، ومثالها في موضع جر، مررت برجل أبوه عالم، ولذلك عطف عليها في قوله:
يارب بيضاء من الفواهج 000 أم صبي قد حبا أو دارج
فعطف (دارجاً) على موضع (قد حبا) ، لأنه في موضع جر، لكونه صفة لـ(صبي).
ومنها المعطوفة وهي بحسب المعطوف عليه إن كان مرفوعاً أو في موضع رفع فهي مرفوعة، وإن كان منصوباً أو في موضع نصب فهي منصوبة، وإن كان مجروراً أو في موضع جر فهي مجرورة، وإن كان مجزوماً أو في موضع جزم في مجزومة، وإن لم يكن لها محل من الإعراب فلا محل لها، فهذه خمسة أحوال. مثال الرفع: جاء رجل أبوه فاضل وأخوه عالم فـ(أبوه فاضل) جملة في موضع رفع لأنها صفة رجل و(أخوه عالم) كذلك، لأنها معطوفة عليها، ومثال النصب رأيت رجلاً أبوه فاضل وأخوه عالم كذلك، لأنها معطوفة عليها. ومثال الجزم: إن جاء زيد فأنا أكرمه وأنت تحسن إليه، فقولك (أنا أكرمه) جملة في موضع جزم و(أنت تحسن إليه) معطوفة عليها، فهي أيضاً في موضع جزم. ومثال المعطوفة على ما لا محل لها من الإعراب: زيد قائم وعمرو ذاهب، فإن ومنها الجملة المؤكدة، ولا تكون إلا في التوكيد اللفظي، فإن أكدت ماله موضع من الإعراب فلها موضع، وإلا فلا، مثال الأول: زيد أبو قائم [أبو قائم] ومثال الثاني:
. أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
ومنها الجملة الواقعة بدلاً، فإن كان بدلاً من معرب أم من شيء له محل من الإعراب فلها محل وإلا فلا. ومن أمثلة الواقعة بدلاً ولها محل قولك: عرفت زيداً أبو من هو على ما سبق بيانه ولا تقع الجملة عطف بيان.
وأما الجملة الواقعة جواب أداة شرط جازمة مصدرة بالفاء أو بـ(إذا) فإنها في موضع جزم مثال المصدرة بالفاء: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} فـ(ماله من مكرم) جملة في موضع جزم لأنها جواب أداة جازمة. ومثال المصدرة بـ(إذا) أعني الفجائية: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} فـ(إذا هم يقطنون) جملة في موضع جزم. وإنما قلت: (جواب أداة) : ليشمل الحرف وغير الحرف. وإنما قلت: (جازم) احترازاً من نحو (إذا) و(كيف) و(حيث) و(لما) و(لولا) فإنها من أدوات الشرط والتعليق، ولكنها لا تعمل الجزم، فليس الجملة الواقعة (بعدها) لها موضع من الإعراب. وإنما قلت (مصدرة بالفاء أو بإذا) إحترازاً من المصدرة بالفعل لأنها لا محل لها وذلك لأن المصدرة بالفعل على قسمين: قسم ظهر فيه الجزم، نحو: إن تقم أقم معك فالظاهر أنه لا محل لها من الإعراب لظهوره في لفظه. وقسم لم يظهر فيه جزم لأنه مبني فهو مقدر في محله، نحو: إن قمت قمت، جملة [قمت] لا محل لها، ولكن الفعل وحده مجزوم المحل.
فإن قلت: ما الفرق بين الجملة المصدرة بالفاء أو (إذا) وبين المصدرة بالفعل الماضي؟
قلت: المصدرة بالفاء أو (( إذا )) لم تصدر بما يقبل أن يكون مجزوماً لا لفظاً ولا محلاً. وأما المصدرة بالفعل الماضي فهي مصدرة بما يقبل الجزم محلاً، ولو كان معرباً لقبله لفظاً، فهي كالاسم المبني، لما لم يمكن ظهور الإعراب في لفظه حكم على محله بالإعراب، ويدل على صحة ذلك أنه لو حكم على الجملة المصدرة بالفعل الماضي بأنها في موضع جزم لزم أن يكون الفعل الذي في أولها لا محل له ، لأن المحكوم على موضعه بالجزم هو مجموع الجملة، وحينئذ لا يصح العطف عليه بالجزم قبل ذكر فاعله لأنه لا موضع له [مستقلاً، إذ] الموضع له مع الفاعل. فعلى هذا يمتنع إن قام ويذهب زيد أحسن إليه. و [على إهمال قام وأعمال يذهب في زيد بل] على أعمال (قام) وإضمار الفاعل في (يذهب) . وهذا من باب التنازع، وهذا التركيب غير ممتنع فدل عطف الفعل المضارع بالجزم على الماضي الواقع [شرطاً] قبل أخذ فاعله أنه مجزوم المحل، وأن الجملة ليس لها محل من الإعراب، والله أعلم بالصواب.
وقد فهم مما تقدم أن جملة الشرط ليس لها موضع مجزوم، بل الفعل الذي صدر في محل جزم كما تقرر في جمل الجزاء. وقد جعل بعضهم الجمل الشرطية في موضع جزم إذا لم يظهر فيها الجزم، وذلك إذا كان فعلها ماضياً، ولذلك أطلق في جملة الجواب ولم يقيد بأن تكون مصدرة بالفاء أو بـ (( إذا )) .
والظاهر أن جملة الشرط في مثل: (إن قام زيد عمرو) لا موضع لهما، ولكن الفعل وحده في موضع جزم. وفي كلام بعضهم أن الواقعة موضع جزم هي الواقعة غير مجزوم [فعلها] جواباً للشرط العامل أو عطفت على مجزوم أو على ما موضعه جزم، فلم يذكر الشرطية، ولكنه أطلق في الواقعة جواباً، ولهذا أشرت بقولي في الأبيات:
وجواب شرط جازم بالفاء أو ب (( إذا )) وبعض قال غير مقيد
فهذا تمام الكلام على الجمل التي لها موضع من الإعراب.
وأما الجمل التي لا محل لها من الإعراب فتسع، وهي الابتدائية، والصلة، والاعتراضية، والتفسيرية، وجواب القسم، والواقعة بعد أدوت التحضيض، والواقعة بعد أدوات التعليق غير العاملة، والواقعة جواباً لها، والتابعة لما لا موضع له. ويجمعها هذه الأبيات وهي تتمة الأبيات المتقدمة:
وأتتك تسع ما لها من موضع 000 صلة ومعترض وجملة مبتدى
وجواب أقسام وما قد فسرت 000 في أشهر والخلف غير مبعد
وبعيد تحضيض وبعد معلق 000 لا جازم وجواب ذلك أورد
وكذاك تابعة لشيء ما له 000 من موضع فاحفظه غير مفند
وأنا أذكرها مفصلة:
أحدها الابتدائية، فلا محل لها من بإجماع، وهي ثلاثة أقسام مبتدأة لفظاً، نحو زيد قائم أبوه. ومبتدأةً نيةً، نحو راكباً جاء زيد، لأن الجملة في نية التقديم، والحال في نية التأخير، ومبتدأة حكماً وهي الواقعة بعد أدوات المبتدأ، وهي ((إن)) وأخواتها إذا كفت بـ ((ما)) و ((إذا)) الفجائية و ((هل)) و ((بل)) و ((لكن))، و ((ألا)) الاستفتاحية و ((أما)) أختها و ((ما)) النافية غير الحجازية و ((بينما)) و ((حتى)) الابتدائية. فالجملة بعدها لا موضع لها من الإعراب.
وذهب الزجاج وابن درستويه إلى أن الجملة بعد ((حتى)) في موضع جر بـ ((حتى)) وذلك خلاف الجمهور. ومثال الجملة بعد ((حتى)) الابتدائية قول الشاعر:
فما زالت القتلى تمج دماءها 000 بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
ومن ذلك قوله تعالى: {حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا} ونحو ذلك كثير.
وأما الجملة الواقعة صلة فهي أيضاً لا محل لها باتفاق. وهي قسمان: صلة موصول إسمي، وصلة موصول حرفي. فالأول [نحو]: جاء الذي أبوه عالم. والثاني نحو: يعجبني أن يذهب زيد، فـ(أن) مع صلتها في موضع رفع، لأنها مؤولة بمصدر هو فاعل (يعجبني) و(يذهب زيد) لا محل لها، لأنها صلة موصول حرفي. وكذلك الجملة الواقعة صلة (ما) المصدرية وغيرها من الحروف المصدرية. ومن ذلك الجملة الواقعة بعد لام (كي) لأنها صلة (أن) المقدرة الناصبة، فلا موضع لها، ولكن (أن) مع صلتها في موضع جر بلام (كي).
وأما الاعتراضية فقال ابن مالك: هي المفيدة تقوية بني جزءي صلة، نحو: جاء الذي جوده - والكرم زين - مبذول أو إسناد كقوله:
وقد ادركتني والحوادث جمة 000 أسنة قوم لاضعاف ولا عزل
أو مجازاة [كقوله تعالى]: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} أو نحو ذلك. ووقوعها بين نعت ومنعوت، كقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}.
وأما التفسيرية فهي الكاشفة لحقيقة ما تليه مما يفتقر إلى ذلك. وتفسر الجملة كثيراً وقد تفسر المفرد [كقوله تعالى]: {كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} وقوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} ثم قال: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
والمشهور أنه لا موضع للجملة المفسرة من الإعراب. وقال الأستاذ أبو علي:
التحقيق أنها على حسب ما تفسره، فإن كان له محل من الإعراب كان لها موضع من الإعراب وإلا فلا، فمثل زيداً ضربته لا موضع له من الإعراب. ومثل {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} . له موضع من الإعراب، لأن المفسر في موضع (أن) والمفسر في موضع رفع. ويدل على ذلك مسألة أبي علي، وهي: (زيد الخبز آكله) فـ(آكله) مفسر للعامل في (الخبز) وله موضع لكونه خبراً عن (زيد) فكذلك مفسره، وبين ذلك ظهور الرفع في المفسر. وكذلك مسألة الكتاب: أن زيداً تكرمه يكرمك، فـ(تكرمه) تفسير للعامل في زيد وقد ظهر الجزم.
فإن قلت: على هذا يلزم أن تكون أداة الشرط عملت الجزم في فعلين قبل الجواب وليس الثاني تابعاً للأول.
فالجواب، قال ابن مالك: أن العامل في مثل هذا لما التزم حذفه وجعل المتأخر عوضاً منه صار نسياً منسياً، فلم يلزم من نسبة العمل إليه وجود جزمين قبل الجواب، على أنه لو جمع بينهما على سبيل التوكيد لم يكن في ذلك محذوفاً لا يكون مجزوماً من تعليق الذهن بهما وأحدهما غير منطوق به ولا محكوم بجواز النطق به أحق وأولى. انتهى.
وقال غيره: جملة الاعتراض بالمفعول بحيث يكون كالتأكيد أو التنبيه على حال من أحواله.
/121أ/ وجملة الاعتراض [قد تشتبه بالجملة الحالية] ويميزها من الحالية امتناع قيام مفرد مقامها، ولذلك كانت لا محل لها. وجواز اقترانها بالفاء و(لن) وحرف التنفيس، وكونها طلبية كقوله:
إن سليمى - والله يكلؤها 000 ضنت بشئ ما كان يرزؤها
وأما الجملة الواقعة بعد القسم فلا محل لها كقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإْنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فقوله: {إِنَّ الإْنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} جملة لا موضع لها من الإعراب، وكذلك ما أشبهها، فإنها في محل لا يحله المفرد.
فإن قلت قد وقعت الجملة القسمية خبراً للمبتدأ في نحو قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
فالجواب أن الذي وقع موقع الخبر هو مجموع الجملتين: جملة القسم وجملة الجواب، فمجموعهما في موضع رفع لا الجوابية وحدها. وهذا واضح.
وأما الواقعة بعد أدوات التحضيض ((هلا)) و ((ألا)) و ((لولا)) و ((لوما)) فإذا قلت: هلا تنزل عندنا، فلا محل لهذه الجملة، لأن أدوات التحضيض لا عمل لها. وقد تحذف الجملة بعد أدوات التحضيض ويبقى عملها كقوله:
تعدون عقرا لنيب أفضل مجدكم
وأما الجملة الواقعة بعد أدوات التعليق غير العاملة فنحو الواقعة بعد ((لولا)) التي هي لامتناع الشيء لوجود غيره وبعد (( لو )) الامتناعية وبعد (( لما )) التي هي حرف وجوب لوجوب على مذهب سيبويه . فهذه لا محل لها إذ لا عمل لهذه الأحرف.
وأما الجملة الواقعة جواباً لأدوات التعليق غير العاملة فنحو الجملة الواقعة [جواباً] لـ (( لولا )) و (( لو )) و (( لما )) وقد تقدم ذكرها آنفاً.
وأما الجملة بعد (( إذا )) فقد تقدم الخلاف فيها وكذلك الجملة الواقعة جواباً لـ (( حيث )) لا محل لها، لأنها لا تجزم إلا مع (( ما )) .
وأما التابعة لما لا موضع له فقد تكون توكيد لما لا موضع له، نحو: [قام زيد قام زيد. وقد تكون معطوفة على ما لا موضع له نحو] قام زيد وجاء عمرو. ولا يتأتى ذلك في النعت، لأن الجملة الوصفية لها موضع من الإعراب دائماً. ولا تكون الجملة عطف بيان.
وقد تم الكلام على الجمل التي لا محل لها من الإعراب على سبيل الاختصار دون الإكثار والكلام على هذه الجمل المذكورة مبسوط في موضعه من كتب العربية، وهذا القدر كاف ههنا والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وحده. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه وذريته والتابعين لهم أجمعين وسلم.
علقه لنفسه الفقير إلى الله تعالى أبو الطيب الحسين بن الشحنة الشافعي غفر الله له ولوالديه والمسلمين وذلك في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وثمان مائة.
الجُمَلُ الَّتي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإِعْراب
الجملةُ، إن صحَّ تأويلُها بمُفرَدٍ، كان لها محلٌّ من الإعراب، الرفعُ أَو النصبُ أَو الجرُّ، كالمفرد الذي تُؤَوَّلُ بهِ، ويكونُ إعرابُها كإعرابه.
فإن أُوِّلت بمفردٍ مرفوعٍ، كان محلُّها الرفعَ، نحو "خالدٌ يعملُ الخيرَ"، فِإن التأويل "خالدٌ عاملٌ للخير".
وإن أُوِّلت بمفردٍ منصوبٍ، كان محلُّها النصبَ، نحو "كان خالدٌ يعملُ الخيرَ"، فإنَّ التأويلَ "كان خالدٌ عاملاً للخير".
وإن أُوِّلت بمفردٍ مجرورٍ، كانت في محلِّ جرٍّ، نحو "مررتُ برجلٍ يعملُ الخيرَ"، فإن التأويل"مررتُ برجلٍ عاملٍ للخيرِ".
وإن لم يصحَّ تأويلُ الجملةِ بمفردٍ، لأنها غيرُ واقعةٍ مَوْقِعَهُ، لم يكن لها محلٌّ من الإعراب، نحو "جاءَ الذي كتبَ"، إذ لا يَصح أَن تقول "جاءَ الذي كاتبٌ".
والجُمَلُ التي لها محلٌّ من الإعرابِ سبعٌ:
1- الواقعةُ خبراً: ومحلُّها من الإعراب الرفعُ، إن كانت خبراً للمبتدأ، أَو الأحرفِ المشبهةِ بالفعلِ، أو "لا" النافية للجنس، نحو "العلمُ يرفعُ قدرَ صاحبه. إن الفضيلةَ تُحَبُّ. لا كسولَ سِيرتُهُ ممدوحةٌ". والنصبُ إن كانت خبراً عن الفعلِ الناقصِ، كقولهِ تعالى: (أَنفسَهم كانوا يظلمون)، وقولهِ: (فذبحوها وما كادوا يفعلون).
2- الواقعة حالاً: ومحلُّها النصب، نحو (جاءُوا أَباهم عشاءً يَبكون).
3- الواقعةُ مفعولاً به: ومحلها النصبُ أيضاً، كقولهِ تعالى (قالَ إني عبدُ الله) ، ونحو "أَظنُّ الأمةَ تجتمعُ بعدَ التفرُّق".
4- الواقعةُ مضافاً إليها: ومحلُّها الجرُّ، كقوله تعالى (هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ صدقُهم).
5- الواقعةُ جواباً لشرطٍ جازمٍ: إن اقترنت بالفاءِ أَو بإذا الفجائية. ومحلها الجزمُ، كقوله تعالىومن يُضللِ اللهُ فما لهُ من هادٍ)، وقولهِ
وإن تصِبهم سيِّئةٌ بما قدَّمت أَيديهم إذا همْ يَقنَطون).
6- الواقعةُ صفةً: ومحلُّها بحسَبِ الموصوفِ، إمّا الرفعُ، كقولهِ تعالىوجاءَ من أَقصى المدينةِ رجلٌ يسعى). وإمّا النصبُ، نحو "لا تحترمْ رجلاً يَخونُ بلادَهُ". وإمّا الجرُّ، نحو "سَقياً لرجلٍ يَخدمُ أُمتَهُ".
7- التابعةُ لجملةٍ لها محلٌّ من الإعراب: ومحلُّها بحسب المتبوع. إمّا الرَّفعُ، نحو "عليٌّ يقرأ ويكتبُ"، وإمّا النصبُ، نحو "كانت الشمسُ تبدو وتخفى"، وإمّا الجرُّ، نحو "لا تعبأ برجلٍ لا خيرَ فيهِ لنفسهِ وأمتهِ، لا خيرَ فيه لنفسهِ وأمتهِ".

الجُملُ الَّتي لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعراب
الجملُ التي لا محلَّ لها من الإعراب تسعٌ:
1- الابتدائيةُ: هي التي تكونُ في مُفتَتحِ الكلامِ، كقوله تعالىإنا أعطيناك الكوثرَ)، وقولهِ
اللهُ نور السَّمواتِ والأرض).
2- الاستئنافيّةُ: هي التي تقعُ في أثناءِ الكلامِ، منقطعةً عمّا قبلَها، لاستئنافِ كلامٍ جديدٍ، كقوله تعالىخلق السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ، تعالى عمَّا يُشركونَ). وقد تقترنَ بالفاءِ أو الواو الاستئنافيَّتين. فالأولُ كقوله تعالى
فلمَّا آتاهما صالحاً جعلا لهُ شركاءَ فيما آتاهما، فتعالى الله عمّا يُشركون). والثاني كقولهِ
قالت ربِّ إني وضعتُها أُنثى، والله أعلمُ بما وضعتْ، وليس الذكر كالأنثى).
3- التَّعليليَّة[1]: هي التي تقعُ في أثناء الكلامِ تعليلاً لِما قبلَها، كقوله تعالىوصلِّ عليهم، إنَّ صلاتَكَ سَكنٌ لهم). وقد تقترنُ بفاءِ التَّعليل، نحو "تمسَّك بالفضيلةِ، فإنها زينةُ العُقلاءِ".
4- الاعتراضيّةُ: هي التي تَعترضُ بين شيئينِ مُتلازمين، لإفادة الكلام تَقويةً وتسديداً وتحسيناً، كالمبتدأ والخبر، والفعلِ ومرفوعهِ، والفعلِ ومنصوبهِ، والشرطٍ والجوابِ، والحالِ وصاحبها، والصفةِ والموصوفِ، وحرفِ الجر ومُتعلِّقه والقسمِ وجوابهِ. فالأول كقول الشاعر [من الطويل]
وَفِيَهِنَّ، وَالأَيامُ يَعْثُرْنَ بِالْفَتَى ... نَوادِبُ لا يَمْلَلْنَهُ، ونَوائحُ
والثاني كقول الآخر (من الطويل):
وَقَدْ أَدْرَكَتْني، وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ ... أَسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٍ، وَلا عُزْل
والثالثُ كقولِ غيره (من الرجز):
وَبُدِّلَتْ، وَالدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ ... هَيْفاً دَبُوراً بِالصَّبا، وَالشَّمْأَلِ
والرابعُ: كقولهِ تعالىفإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فاتَّقُوا النارَ التي وَقُودُها الناسُ والحجارةُ)، والخامس: نحو "سعيتُ، وربَّ الكعبةِ، مجتهداً"، والسادسُ: كقوله تعالى
وانَّهُ لَقَسمٌ، لو تعلمونَ عظيم)، والسابعُ، نحو "اعتصِمْ، أصلحكَ اللهُ، بالفضيلة"، والثامن كقول الشاعر (من الطويل):
لَعَمْري، ومَا عَمْري عَلَيَّ بِهَيِّنٍ ... لَقَدْ نَطَقَتْ بُطْلاً عَلَيَّ الأَقارِعُ
5- الواقعة صِلةً للموصولِ الاسميّ، كقوله تعالىقد أفلحَ من تَزَكَّى)، أو الحرفيِّ، كقولهِ
نخشى أن تُصيبنا دائرةٌ).
والمراد بالموصولِ الحرفيِّ الحرفُ المصدريُّ، وهو يُؤوَّلُ وما بعدَه بمصدرٍ وهو ستةُ أحرفٍ "أنْ وأنَّ وكيْ وما ولوْ وهمزة التسوية.
6- التّفسيريةُ: كقوله تعالىوأَسرُّوا النّجوَى الذين ظلموا هل هذا إلا بشرٌ مثلُكمْ)، وقولهِ: (هل أدُلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذابٍ أليمٍ، تُؤمِنونَ بالله ورسوله). والتّفسيريّةُ ثلاثةُ أقسامٍ مجرَّدةٌ من حرف التفسيرِ، كما رأيتَ، ومقرونة بأي، نحو "أشرتُ إليه، أي أذهبْ"، ومقرونة بأنْ، نحو "كتبتُ إليهِ أن وافِنا"، ومنه قولهُ تعالى
فأوحينا إليه أن اصنَعِ الفُلكَ).
7- الواقعةُ جواباً للقسمِ: كقوله تعالىوالقرآنِ الحكيمِ انّكَ لَمِنَ المُرْسَلين، وقولهِ
تاللهِ لأكيدَنَّ أصنامَكم).
8- الواقعةُ جواباً لشرطٍ غيرِ جازمٍ: "كإذا ولو ولوا"، كقوله تعالىإذا جاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ، ورأيتَ الناسَ يَدخلون في دينِ اللهِ أفواجاً، فسَبِّحْ بِحَمْدِ ربك)، وقوله:(لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ، لَرأَيتهُ خاشعاً مُتصدِّعاً من خشيةِ اللهِ)، وقولهِ
ولولا دَفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ، لَفَسدتِ الأرضُ).
9- التابعةُ لجملةٍ لا محلَّ لها من الإعراب: نحو "إذا نَهضَتِ الأمةُ، بَلغت من المجد الغايةَ، وادركت من السُّؤْدَدِ النهايةَ".
المرجع: جامع الدروس العربية للغلاييني ج:03 ص:285 وما بعدها
[1] - لنا اعتراض على هذا النوع؛ إذ يمكن أن يكون له محل أحيانا، كما يمكن ألا يكون له محل أحايين كثيرة.